اخصائي نفسيالأسبوع العربي

كل اللي حصل… بدأ بسكوت

كل اللي حصل… بدأ بسكوت
بقلم / سهير محمود عيد
مش كل المصايب بتصرخ. في مصايب بتدخل حياتنا على أطراف صوابعها، بهدوء مخيف، من غير صوت، من غير إنذار. تبدأ بسكوت. بسكوت عن كلمة حق، عن وجع، عن خوف، عن حاجة كان لازم تتقال واتسابِت. إحنا ما بنقعش فجأة… إحنا بنقع واحدة واحدة، وكل وقعة صغيرة كان قبلها سكوت.
إحنا بنسكت عشان نعدّي، عشان ما نكبرش المشكلة، عشان “مش وقت كلام”. بنسكت ونقنع نفسنا إننا بنحمي نفسنا، بس الحقيقة إننا بنخونها. كل مرة تسكت فيها، بتسيب حتة منك تتكسر، وبتقول لها: استحملي. ومع الوقت، الحتت المكسورة بتبقى أكتر من اللي فاضلة سليمة.
العلاقات ما بتموتش بخناقة، بتموت بسكوت طويل. طرف بيتوجع ومش بيتكلم، وطرف تاني حاسس ومش عايز يفتح باب. الاتنين ساكتين، والوجع بيكبر، لحد ما الصمت يبقى أوضح من أي كلام. وبعدها نستغرب: حصل إيه؟ ما حصلش حاجة… إحنا بس سكتنا لحد ما كل حاجة وقعت.
السكوت مش أدب، ومش حكمة، ومش نضج. أحيانًا السكوت جبن. جبن من المواجهة، جبن من الخسارة، جبن من إننا نقول “أنا متأذي”. السكوت بيخلّي الغلط يتمادى، والظلم يتوحش، والوجع يتحول لعادة. واللي اتساب مرة، هيتساب كل مرة.
كم مرة حسّيت إن في حاجة غلط وسكت؟
كم مرة قلت “هعدّي” وعدّت عليك؟
وكم مرة وصلت لمرحلة ما عادش ينفع فيها الكلام؟
السكوت بيخلّي كل حاجة حلوة تموت بالبُطء. الحب يبرد، الاحترام يقل، القلوب تقسى. ومع الوقت، الكلام لما يطلع بيطلع متأخر، تقيل، محمّل بسنين كبت. ساعتها الكلمة ما بتصلّحش… بتكسر.
الكلام في وقته إنقاذ. حتى لو وجع، حتى لو عمل توتر، هو أرحم من صمت طويل بيقضي على كل حاجة. مش مطلوب نجرح، ولا نزعق، ولا نكسب معركة. المطلوب بس نكون صادقين قبل ما نتقفل، قبل ما نتغير، قبل ما نبقى ناس تانية مش شبه نفسنا.
الحقيقة القاسية إن كل كارثة كبيرة كان ممكن تتمنع بكلمة صغيرة. وكل وجع طويل كان ليه بداية بسيطة… سكوت.
سكوت عن خوف.
سكوت عن حق.
سكوت عن نفسنا.
فما تسكتش.
لأن اللي جاي بعد السكوت دايمًا أغلى بكتير من الكلام.
واتكلم قبل ما تبقى الحقيقة الوحيدة اللي فاضلة تقولها:
كل اللي حصل… بدأ بسكوت.
عن الكاتبة:
سهير محمود عيد … صوت صادق بين صخب الكلمات

مقالات ذات صلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى